ابن عجيبة

484

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

جديدة ، بهت التي عنده بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه في تزوج الجديدة ، فنهوا عن ذلك . ثم استعظم ذلك فقال : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ بالمماسة والجماع حتى تقرر الصداق واستحقته بذلك ، وقد أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً وهو حسن الصحبة ، أو الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، أو تمكينها نفسها منه ، فإنها ما مكنته إلا لوفاء العهد في الصداق ودوام العشرة . والله تعالى أعلم . الإشارة : إذا كان العبد مشتغلا بجمع دنياه ، عاكفا على حظوظه وهواه ، ثم استبدل مكان ذلك الانقطاع إلى مولاه والاشتغال بذكر الله ، حتى أفضى إلى شهود أنوار قدسه وسناه ، فلا ينبغي أن يرجع إلى شئ خرج عنه لله . ولا يلتفت إلى ما ترك من أمر دنياه ، فإن الرجوع في الشيء من شيم اللئام وليس من شأن الكرام ، وتأمل ما قاله الشاعر : إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن * إليه بوجه آخر الدهر تقبل وكيف تأخذ ما خرجت عنه لله ، وقد أفضيت إلى شهود أنوار جماله وسكنى حماه ، فاتحد عندك كل الوجود ، وكل شئ عن عين بصيرتك مفقود ، بعد أن أخذ عليك مواثيق العهود ، ألا ترجع إلى ما كان يقطعك عن حضرة الشهود ، وبالله التوفيق . وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم شرع يتكلم على ما يحرم من النساء ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 22 ] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ( 22 ) قلت : أوقع « ما » على ما يعقل لقلة عقل النساء ، كما تقدم « 1 » ، أو مصدرية ، والاستثناء منقطع أو متصل على وجه المبالغة في التحريم ، أي لا تنكحوا ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف لآبائكم إن قدرتم عليه ، فهو كقول الشاعر : لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ * فلول من قراع الكتائب « 2 » يقول الحق جل جلاله : ولا تتزوجوا ما تزوج به آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ بالعقد في الحرائر والوطء في الإماء ، إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فإن الله قد عفا عنكم بعد فسخه وردّه ، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً عظيمة عند الله ،

--> ( 1 ) راجع : تفسير قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى . . الآية ( 3 ) من هذه السورة . ( 2 ) البيت للنابغة الزبيانى .